محمد بن جرير الطبري

432

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

لا ، ولكن هو أول بيت وضع في البركة مقام إبراهيم ، ومن دخله كان آمنا ، وإن شئت أنبأتك كيف بني ؛ إن الله أوحى إلى إبراهيم أن ابن لي بيتا في الأَرض ، قال : فضاق إبراهيم بذلك ذرعا ، فأرسل الله السكينة وهي ريح خجوج ، ولها رأسان ، فأتبع أحدهما صاحبه حتى انتهت إلى مكة ، فتطوت على موضع البيت كتطوي الحجفة ، وأمر إبراهيم أن يبني حيث تستقر السكينة . فبنى إبراهيم وبقي حجر ، فذهب الغلام يبغي شيئا ، فقال إبراهيم : لا ، ابغ حجرا كما آمرك قال : فانطلق الغلام يلتمس له حجرا ، فأتاه فوجده قد ركب الحجر الأَسود في مكانه فقال : يا أبت من أتاك بهذا الحجر ؟ قال : أتاني به من لم يتكل على بناتك جاء به جبريل من السماء . فأتماه . حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا سعيد ، عن سماك ، سمعت خالد بن عرعرة يحدث عن علي بنحوه . حدثنا المثنى ، قال : ثنا أبو داود ، قال : ثنا شعبة وحماد بن سلمة وأبو الأَحوص كلهم عن سماك ، عن خالد بن عرعرة ، عن علي بنحوه . فمن قال : رفع القواعد إبراهيم وإسماعيل ، أو قال رفعها إبراهيم وكان إسماعيل يناوله الحجارة . فالصواب في قوله أن يكون المضمر من القول لإِبراهيم وإسماعيل ، ويكون الكلام حينئذ : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ يقولان : رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا . وقد كان يحتمل على هذا التأويل أن يكون المضمر من القول لإِسماعيل خاصة دون إبراهيم ، ولإِبراهيم خاصة دون إسماعيل ؛ لولا ما عليه عامة أهل التأويل من أن المضمر من القول لإِبراهيم وإسماعيل جميعا . وأما على التأويل الذي روي عن علي أن إبراهيم هو الذي رفع القواعد دون إسماعيل ، فلا يجوز أن يكون المضمر من القول عند ذلك إلا لإِسماعيل خاصة . والصواب من القول عندنا في ذلك أن المضمر من القول لإِبراهيم وإسماعيل ، وأن قواعد البيت رفعها إبراهيم وإسماعيل جميعا ؛ وذلك أن إبراهيم وإسماعيل إن كانا هما بنياهما ورفعاها فهو ما قلنا ، وإن كان إبراهيم تفرد ببنائها ، وكان إسماعيل يناوله ، فهما أيضا رفعاها ؛ لأَن رفعها كان بهما من أحدهما البناء من الآخر نقل الحجارة إليها ومعونة وضع الأَحجار مواضعها . ولا تمتنع العرب من نسبة البناء إلى من كان بسببه البناء ومعونته . وإنما قلنا ما قلنا من ذلك لإِجماع جميع أهل التأويل على أن إسماعيل معني بالخبر الذي أخبر الله عنه وعن أبيه أنهما كانا يقولانه ، وذلك قولهما : رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ فمعلوم أن إسماعيل لم يكن ليقول ذلك إلا وهو إما رجل كامل ، وإما غلام قد فهم مواضع الضر من النفع ، ولزمته فرائض الله وأحكامه . وإذا كان في حال بناء أبيه ، ما أمره الله ببنائه ورفعه قواعد بيت الله كذلك ، فمعلوم أنه لم يكن تاركا معونة أبيه ، إما على البناء ، وإما على نقل الحجارة . وأي ذلك كان منه فقد دخل في معنى من رفع قواعد البيت ، وثبت أن القول المضمر خبر عنه وعن والده إبراهيم عليه الصلاة والسلام . فتأويل الكلام : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ يقولان : ربنا تقبل منا عملنا وطاعتنا إياك وعبادتنا لك في انتهائنا إلى أمرك الذي أمرتنا به في بناء بيتك الذي أمرتنا ببنائه إنك أنت السميع العليم . وفي إخبار الله تعالى ذكره أنهما رفعا القواعد من البيت وهما يقولان : رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ دليل واضح على أن بناءهما ذلك لم يكن مسكنا يسكنانه ولا منزلا ينزلانه ، بل هو دليل على أنهما بنياه ورفعا قواعده لكل من أراد أن يعبد الله تقربا منهما إلى الله بذلك ؛ ولذلك قالا : رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا . ولو كانا بنياه مسكنا لأَنفسهما لم يكن لقولهما : تَقَبَّلْ مِنَّا وجه مفهوم ، لأَنه كانا يكونان لو كان الأَمر كذلك سائلين أن يتقبل منهما ما لا قربة فيه إليه ، وليس موضعهما مسألة الله قبول ما لا قربة إليه فيه . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . وتأويل قوله : إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ إنك أنت السميع دعاءنا ومسألتنا إياك قبول ما سألناك قبوله منا من طاعتك في بناء بيتك الذي أمرتنا ببنائه ؛ العليم بما في ضمائر نفوسنا من الإِذعان لك في الطاعة والمصير إلى ما فيه لك الرضا والمحبة ، وما نبدي ونخفي من أعمالنا . كما : حدثني